أبي منصور الماتريدي

362

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لسانهم غير لسان هؤلاء ، وأخبارهم ليعلموا أنه إنما عرف تلك الأنباء والأخبار التي كانت بغير لسانهم بالله . وقال بعضهم : أرسل بلسان قومه ؛ لئلا يكون لهم مقال كقوله : لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ . . . الآية [ فصلت : 44 ] . والثالث : أنه إذا كان بلسانهم يكون آلف وأقرب إلى القبول ؛ من إذا كان بغيره ؛ إذ كل ذي نوع وجنس يكون بجنسه ونوعه آلف من غير نوعه وجوهره ؛ [ وهو ] « 1 » كقوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 9 ] إذ ليس في وسع البشر رؤية الملك والنظر إليه على ما هو عليه ، فعلى ذلك : كل ذي لسان يكون بلسانه أفهم وأقرب للقبول وآلف من غيره « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . قال قائلون : ليكون أبين لهم وأفهم . وقال قائلون : ليبين لهم فيفهموا قول رسولهم . وقوله : لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . أي : يضل الله من آثر سبب الضلال ، ويهدي من آثر سبب الذي به يهتدي ؛ يهديه ذلك . وقال قائلون : يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء : هذا حكم الله ؛ أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءا [ أنه ] « 3 » يضل من آثر سبب الضلال ؛

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ومعنى الآية : وما أرسلنا من رسول إلا بلغة قومه . فإن قيل : هذه الآية تدل على أن النبي المصطفى - صلوات الله عليه وسلامه - إنما بعث للعرب خاصة فكيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله صلى اللّه عليه وسلّم « وبعثت إلى الناس عامة » . فالجواب : بعث إلى العرب بلسانهم والناس تبع لهم ، ثم بعث الرسل إلى الأطراف يدعوهم إلى الله - تعالى - ويترجمون لهم بألسنتهم . وقيل : المراد من قومه أهل بلدته ، وليس المراد من قومه أهل دعوته ؛ بدليل عموم الدعوة في قوله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وإلى الجن أيضا ؛ لأن التحدي ثابت لهم في قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [ الإسراء : 88 ] . قال القرطبي : ( ولا حجة للعجم ، وغيرهم في هذه الآية ؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي - صلوات الله عليه وسلامه - ترجمة يفهمها لزمته الحجة وقد قال الله - عزّ وجل - : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : « أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه » . ينظر : اللباب ( 11 / 336 ) . ( 3 ) سقط في أ .